العيش معًا: كيف يمكن أن تحفز المدن على الإدماج والقدرة على الصمود في عالم يتسم بالعولمة؟

نائب رئيس شبكة المدن القوية، دانييل هوتون (في الوسط)، متحدثًا في القمة العالمية الثانية للمرصد الدولي لرؤساء البلديات حول العيش معاً. المصدر: مدينة دوسلدورف/ مارك أندريه هيرجنرودر

 

المؤلف: دانيال هوتون

نائب رئيس شبكة المدن القوية

يحتل “الإدماج” و”القدرة على الصمود” موقعًا غير مستقر في خطاب رؤساء البلديات وقادة المدن اليوم. هناك إجماع ضمني على أن كليهما مبادئ أساسية لأمن مجتمعاتنا المحلية وعافيتها، لكنهم غالبًا ما يكونوا غير محددين ولهم مدلول مختلف من شخص لآخر. عند النظر إلى هذه المصطلحات من خلال عدسة عالم يتسم بالعولمة، وكذلك في سياق الكراهية والاستقطاب والتطرف، يمكن أن تظهر هذه المصطلحات مهددة بشكل خاص من الهجرة والأمن. إن الطريقة التي نستجيب بها على المستويات الوطنية والمحلية والمدنية تشكل تحديًا كبيرًا.

ولكن خارج الروايات السياسية الوطنية العاصفة والمثيرة للانقسام حول الهجرة والأمن، كيف يمكن أن تظل المدن منفتحة وتمتاز بإدراج الجميع دون أن تظهر “ناعمة” في مجال التحديات الأمنية والقدرة على الصمود؟

كانت هذه المسألة محط تركيز القمة العالمية الثانية لشريكنا، المرصد الدولي لرؤساء البلديات حول العيش معاً، الذي انعقد الأسبوع الماضي في دوسلدورف بدعم من شبكة المدن القوية بين شركاء آخرين.

في نقاش ضم رؤساء بلديات من جميع أنحاء العالم، سلطت من شبكة المدن القوية الضوء على الأساليب التي تتبعها مدينتان مختلفتان للغاية، كل منهما يعالج هذه المشكلة: جاتينو في كندا والعضو في شبكة المدن القوية باليرمو، إيطاليا. والمساهمات التي قدمها العمدة بيدنود- جوبين ونائب العمدة دراوشة على التوالي كانت بمثابة دروس هامة حول كيفية تجاوز الإدماج والقدرة على الصمود للمبادئ المجردة واتخاذهما شكل عملي في مدننا.

إن محاولة تحديد والتعامل مع الإدماج والقدرة على الصمود في أعقاب جرائم الكراهية، أو الهجوم الإرهابي أو أعمال الشغب يضعك في موقف دفاعي منذ البداية.

1. اغتنم المبادرة

يوازن عمدة المدن اليوم باستمرار العديد من الأولويات العاجلة والمتنافسة. بغض النظر عن مدى أهمية النسيج الاجتماعي والمدني في مجتمعاتنا المحلية، فإن المصطلحات مثل ” الإدماج والقدرة على الصمود” قد تصبح مثيرة للجدل، ويجري تعريفها بشكل سيء ويصعب معالجتها مقارنة بالإلحاح الدائم لقضايا مثل الإسكان والاستثمار الاقتصادي والأمن المادي.

لكن محاولة تحديد هذه المشكلات ومعالجتها في أعقاب جريمة الكراهية، أو الهجوم الإرهابي أو أعمال الشغب تضعك في موقف دفاعي منذ البداية. لن تظهر هذه القضايا في أي وقت آخر على أنها أكثر انقساما وعاطفية ومثيرة للجدل على مستوى المجتمع المحلي، وليس هناك ماهو أصعب من صياغة إستراتيجية تطلعية وتهدف بصدق إلى منع الطيف الكامل من الاستقطاب والكراهية والتطرف.

عمدة بيدنيود جوبين في جاتينو، كندا. المصدر: مدينة دوسلدورف/ مارك أندريه هيرجنرودر

بغض النظر عن مزايا الاستراتيجية، سيكون عليك دائمًا مواجهة التصور بأنك تستجيب لأحداث الأمس، مما يجبر السياسات على أن تكون تفاعلية وقصيرة الأجل بدلاً من لعب لعبة الوقاية الأكثر صعوبة.

هذا هو درس جاتينو، رابع أكبر مدينة في كيبيك، كندا. مع وجود عدد كبير ومتنوع من المهاجرين، كان إطلاق النار في مسجد يناير 2012 في مدينة كيبيك المجاورة قد سبب موجة من الصدمات عبر مجتمع جاتينو. وأوضح العمدة بيدنو جوبان أن الخوف أصبح الشعور العادي في جميع أنحاء المدينة.

وقد استفادت المدينة من المبادرة، وعقدت قمة “العيش معًا” الخاصة بها، حيث جمعت المجتمعات المحلية من مختلف أنحاء جاتينو. وبالتوازي مع ذلك، أطلقت المدينة جهدًا كبيرًا للتواصل عبر المجتمعات المحلية والتشاور مع مجموعات مختلفة بشأن استراتيجية وخطة عمل لمنع التطرف الذي يضع الإدماج والقدرة على الصمود في المقدمة. وفي وقت لاحق من هذا العام، سيتم إطلاق الاستراتيجية رسمياً، والتي بنيت من خلال عمليات التخطيط التشاركي بحيث توفر الأساس المنطقي لكيفية عمل خدمات الحكومة المحلية إلى جانب المجتمع المدني للتأكد من أن الإدماج والتماسك يتجاوز الخوف والانقسام.

الاستفادة من مبادرة مثل تلك في جاتينو لا يعني فقط أن المدن يمكنها أن تضع استراتيجية وقائية حقيقية، وذلك بدلًا من استراتيجيات ردود الفعل. هذا يعني أن البلدية نفسها تقود رؤية نشطة للطريقة التي تتفاعل بها مجتمعاتها المتنوعة وتتصل ببعضها البعض. ويترتب على ذلك أن السرديات المثيرة للانقسام والمتطرفة تكافح من أجل إيجاد “عوامل دفع” اجتماعية وثقافية واقتصادية لاستغلالها في جهود التجنيد التي تقوم بها عندما تواجه مدينة لها هوية قوية وقادرة على العمل الجماعي.

ما هي الآليات الديمقراطية التي يمكن أن ننشئها والتي تعمل بنشاط على بناء المشاركة المدنية والسياسية للأقليات ومجموعات المهاجرين؟

2. تمثيل التنوع في مجتمعك المحلي

كثيرون منا يقدمون خدمات لفظية فقط فيما يتعلق بالإدماج والقدرة على الصمود في مجتمعاتنا المحلية، لكن كم منا يشعر أن تمثيلنا السياسي في مدينتنا أو المقاطعة أو البلدية يعكس هذا التنوع بالفعل؟ وما هي الآليات الديمقراطية التي يمكن أن نضعها والتي تبني بنشاط المشاركة المدنية والسياسية للأقليات ومجموعات المهاجرين؟ كانت هذه هي الأسئلة التي طرحها أدهم دراوشة، نائب رئيس البلدية لشؤون الثقافات (لاحظوا استخدام الجمع!) في مدينة باليرمو، إيطاليا، في مساهمة شخصية ومفيدة حول طريقة باليرمو في الصمود.

أدهم دراوشة، نائب العمدة لشؤون الثقافات في مدينة باليرمو، إيطاليا. المصدر: مدينة دوسلدورف/ مارك أندريه هيرجنرودر

هو في الأصل من الناصرة ومهاجر إلى باليرمو، لذا يؤكد دراوشة على التنوع الثقافي والعرقي الطويل الأمد في صقلية. كما يشير دراوشة أنه على مدى آلاف السنين، شهدت باليرمو إمبراطوريات وأمم تأتي وتذهب، وفي كل مرة ترحب بموجات جديدة من الهجرة التي تؤثر على هويات اجتماعية وثقافية جديدة.

رغبة منها في تشكيل هياكل الحكم المحلي وهذه الحقيقة في صميم عملها، فتحت المدينة محفظة جديدة من “الثقافات” على مستوى نائب العمدة، ومعها مجموعة من الآليات التي تعطي أكثر من إشارة إلى الإدماج والقدرة على الصمود.

أولاً، لقد لعبت المدينة دوراً نشطاً في جعل منطقة البحر الأبيض المتوسط، على حد تعبير دراوشة، “مكاناً يتحدى تعقيدات هذا العصر”.

وقد تم التأكيد على ذلك من خلال إطلاق ميثاق باليرمو عام 2015، والذي يعزز الحق العالمي في “الحراك البشري”، والذي يحدد استجابة المدينة لأزمة المهاجرين والصراع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مواجهة الروايات الوطنية والشعبية المستقطبة.

 

المدن في وضع فريد لجعلها ذات مدلول بالنسبة للمجتمعات المحلية، ووضعها في قلب منع الكراهية والاستقطاب والتطرف

ثانياً، وعلى غرار نهج جاتينو التشاركي في التخطيط الاستراتيجي، شكلت باليرمو مجلسًا جديدًا للثقافات، وهو ناشط منذ عام 2013 تحت قيادة العمدة لولوكا أورلاندو ويضم 21 مستشارًا لتمثيل التنوع الثقافي في جميع أنحاء المدينة. ويوفر المجلس فرصًا لتطوير سياسة جديدة متعددة الثقافات حول التماسك والتآزر، ترتبط بالأنشطة الملموسة على مستوى الأحياء، مع تقييم كيفية تأثير السياسات الجديدة على المجتمعات المهمشة.

هذه مجرد طريقتين من الطرق التي تحاول بها هذه المدن جعل مفاهيم القدرة على الصمود والإدماج واقعية بدلا من كونها مجردة في كثير من الأحيان، ودمجها في العمل اليومي للبلديات والحكومات المحلية. ومع ذلك، في عالم متزايد العولمة، ستحتاج هذه المفاهيم إلى بذل جهود متزايدة لإحداث تدخلات سياسية عملية ومفهومة تتناول اهتمامات مجتمعاتنا المحلية.

تتمتع المدن بوضع فريد يجعلها ذات مدلول بالنسبة للمجتمعات، ووضعها في صميم منع الكراهية والاستقطاب والتطرف، ودفع الحوار حول الهجرة والأمن إلى الأمام.

أقيمت القمة الدولية الثانية للمرصد الدولي لرؤساء البلديات حول العيش معاً في دوسلدورف، ألمانيا. المصدر: مدينة دوسلدورف/ مارك أندريه هيرجنرودر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *