مقال: ناشطون في لبنان يعملون على معالجة مشكلة الرصاص الطائش

بقلم: نورهان نصار ويُمن القيسي

كانت ريم شاكر في سنّ الثامنة عشرة حين أصيبت برصاصة طائشة في الرأس على شرفة منزل عائلتها في مدينة المنية اللبنانية. لم تطلق الرصاصة التي قتلتها بهدف الانتقام بل نتيجة احتفال مجموعة من الناس بعودة أحد أحبائها من فريضة الحج في مكّة المكرمة.

 

قصة ريم هذه ليست سوى مثال عن سلسلة من حالات الوفاة العبثية الناتجة عن رصاص الابتهاج.

وفقًا لعملية مسح عامة لحيازة الأسلحة الخفيفة أجريت في لبنان سنة 2017، يقدّر عدد المدنيين الذين يملكون السلاح بـ 1,927,000 شخص. وبما أن عدد سكان لبنان يبلغ 6 ملايين و105 آلاف نسمة، يوازي عدد المدنيين اللبنانيين المالكين للسلاح ثلث عدد السكان. وفقًا لحركة السلام الدائم، قُتل 90 شخص سنة 2017 بسبب الرصاص الطائش المطلق في الأعراس والمناسبات السعيدة الأخرى الملطخة بالدماء.

أثرت هذه الحادثة كثيرًا في نفوس منظمي حملة “فرحة طايشة” في طرابلس. فقد كانت مروى سيف، التي ساعدت في إطلاق الحملة في بداية هذا العام، إحدى الصديقات المقربات من ريم، وظلت لفترة طويلة تشعر عاجزة عن تقبّل سبب وفاة صديقتها.

ولكن في شهر أيّار/مايو 2018، اجتمعت مجموعة في بيروت وتمكنت من تغيير واقع الحال بشكلٍ غير متوقع. انضمت سيف إلى مجموعة في مدينة طرابلس وهي مؤلفة من أعضاء شبكة الوقاية المحلية في طرابلس ومن وسيط من البلدية للعمل على تنظيم جهودهم.

تهدف شبكات الوقاية المحلية، بقيادة شبكة المدن القوية، إلى إنشاء بنية تحتية للمبادرات التي تقودها المجتمعات المحلية مما يشكّل صلة وصل بين المنظمات الأهلية القاعدية والبلدية.

أدت قصة سيف إلى توافق الجميع بسرعة على ضرورة العمل.

ففي الجهة المقابلة من الطاولة، قامت دعاء، وهي مشاركة أخرى، بمشاركة قصتها. فقدت هذه المشاركة اختها قبل 15 عامًا بسبب رصاصة طائشة، ولكن هذه المرة بسبب حادث صيد. استمعت ناجية، الوسيطة من بلدية طرابلس والعضوة في شبكة الوقاية الطرابلسية، إلى قصة دعاء بانتباه.

على الرغم من أن التركيز الرئيسي لشبكات الوقاية المحلية موجه نحو معالجة مشكلة التطرّف العنيف بواسطة الوقاية، تعمل هذه الشبكات في نهاية المطاف على معالجة مجموعة واسعة من القضايا المحلية. فالشبكات هي من تحدد جداول أعمالها الخاصة. وجاء دعمها لهذه الحملة نتيجة إدراكها لنطاق المبادرات الوقائية الواسع.

وخلال الأشهر التالية، عملت مروى ودعاء مع ناجية على إنشاء وإطلاق حملة “فرحة طايشة”. وأدى دعم البلدية هذا إلى وضع مشكلة رصاص الابتهاج على جدول أعمال الحكومة المحلية.

وإلى جانب متطوعين آخرين، نظمت مروى ودعاء عرض مسرحي يحمل رسالة اجتماعية: حفل زفاف في وسط مدينة طرابلس، يقوم فيه الممثلون بالتفاعل مع مقتل أحد ضيوف الحفل بسبب رصاصة طائشة أطلقها ضيف آخر. تم تصوير العرض وتمت مشاركته على موقع فايسبوك، ما أدى إلى إثارة النقاشات حول الموضوع وتناوله من قبل الإعلام.

سعت حملات كثيرة، ومنها حملة “فرحة طايشة” إلى وضع حد للعنف الحتمي الناتج عن حيازة السلاح – إن كان مقصودًا أم غير مقصودٍ. مكّن الدعم البلدي الناشطين الشباب من استخدام منصة متينة تمكّنهم من الوصول إلى عدد أكبر من الناس. فالعرض المسرحي الكبير الذي أعده ونفذه الناشطون في وسط مدينة طرابلس لم يكن ليكون ممكنًا لولا تسهيل السلطات المحلية لتنفيذه.

ساهم التعاون بين منظمي الحملة الشباب والحكومة المحلية في نجاح هذه الحملة في طرابلس. ولكن السياق يختلف من مدينة لأخرى، لذلك قد تختار شبكات الوقاية أن تعالج مواضيع أقل إثارةً للجدل من أجل التمكن من بناء علاقات ثقة مع الجميع وتعزيز مصداقيتها وثقتها بقدرتها على معالجة مشاكل وقضايا شائكة أكثر.

وبفعل نشاط وحيوية الناشطين الشباب، حققت حملة “فرحة طايشة” نجاحًا كبيرًا وأثارت النقاش في كل أنحاء المدينة وعلى كافة منصات التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية المحلية. ربما لأن مشكلة الرصاص الطائش باتت مشكلة عالمية – وليس محصورة بلبنان فقط، فهي موجودة في كافة أنحاء العالم مرورًا بالبلقان ووصولاً إلى الولايات المتحدة.

في سنة 2017، أصيب الممثل عن ولاية تكساس أرماندو “ماندو” مارتينز برصاصة طائشة في رأسه أثناء احتفالات عيد رأس السنة. وقبل عامين، قتلت طفلة لا يتجاوز عمرها العشر سنوات بسبب رصاصة طائشة أصابتها في حفل زفاف في مقدونيا. أما في مدينة لوس أنجلس في ولاية كاليفورنيا الأميركية، يستخدم قسم الشرطة منصات التواصل الاجتماعي من أجل تحذير المواطنين من مغبة إطلاق الرصاص في الهواء إذ قد يعرضهم ذلك للملاحقة القانونية والسجن لمدة ليست بقصيرة.

لا يمكن إبعاد ثقافة السلاح عن هذا النقاش. فالعامل المشترك بين كل الدول التي تعاني من مشكلة الرصاص الطائش هو أن حيازة السلاح أمر مقبول ثقافيًا. إلا أن نطاق حوادث الرصاص الطائش يختلف من بلد لآخر. في لبنان، أدى برنامج نزع جزئي للسلاح والتسريح وإعادة الإدماج بعد الحرب الأهلية (1975- 1990) إلى عدم مصادرة أسلحة الفصائل المتقاتلة بشكلٍ كامل.

إطلاق الرصاص ابتهاجًا مشكلة عالمية، لذلك تتطلب مكافحتها معالجة بعض العوامل التي تسمح لها بالبقاء. وهذا يتطلب معالجة التقبل العام لحيازة السلاح وغياب آليات محاسبة مطلقي النيران. وللمبادرات المحلية دور أساسي في هذه العملية. ففي حالة حملة “فرح طايشة”، التعاون بين الناشطين الشباب وبلدية طرابلس خير مثال عن اجتماع طرفين بشكلٍ غير متوقع لمكافحة مشكلة عامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *