القومية والإستقطاب في استفتاء مقدونيا

إنّ مستقبل مقدونيا على المحك بعد مشاركة ما لا يزيد بقليل عن ثلث الناخبين المؤهلين قبل أسبوعين في الاستفتاء المثير للجدل حول تغيير إسم مقدونيا.

وفي محاولة لدفن نزاع دام ثلاثة عقود مع اليونان حول اسم البلد، فتح الاستفتاء الباب على العديد من القضايا التي تحاول التغلّب عليها.

وفي رأي العديد من المسؤولين الحكوميين الوطنيين والمحليين والناشطين المحليين الذين أجروا مقابلات في سكوبييه، عاصمة مقدونيا،  قبل أسبوع من التصويت، مما أدّى إلى تفاقم التطلعات العرقية والقومية المستمرة.

وقد شكّل إصرار اليونان دواءًا مر المذاق، حيث كانت اليونان أوّل من فرض الاختصار FYROM (جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة) وأوّل من استقلّ جمهورية شمال مقدونيا وفقًا لاستفتاء الشهر الماضي.

وجاء التصويت بعد اتفاق تمّ التفاوض عليه بين رئيس الوزراء اليساري زوران زاييف والكسس تسيبراس اليوناني مبكرًا هذا الصيف، لكن عارضه الرئيس القومى للبلاد جورج ايفانوف الذى دعا المقدونيين إلى مقاطعته تمامًا.

تتجسد إمكانيّة الوصول إلى المؤسسات الغربية، وفي طليعتها الإتّحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بالنسبة للعديد من الأفراد، بوسيلة للخروج من الشلل الذي أحدثه الفساد وسياساته غير الفعالة.

بالنسبة لليونانيين، كأعضاء في المؤسستين، يعكس منع انضمام مقدونيا قضاياهم القومية الداخليّة. وهذا يشكّل أدنى المتطلّبات من عضو في الإتحاد الأوروبي لما له علاقة بدعم بناء السلام مع جيرانها البلقان في أعقاب الحرب.

ومع ذلك، بالنسبة لبلد ناشط يعمل بجد على إرساء هويته الوطنية بعد يوغسلافيا، فإن اسم البلد نفسه قد يكون مقايضة راغبة إذا ما فتح الطريق للإندماج في المجتمع عبر الأطلسي ومؤسساته.

ولكن أدت هذه الحسابات الدولية إلى تفاقم المشاكل المحلّية القديمة وتحول دون معالجتها، فقد عزّزوا انعدام الأمن الوطني وأقاموا مجتمعًا مستقطبًا عرضة لطروحات استغلالية.

الهندسة نوع من أنواع السياسة

نأخذ “سكوبيه  2014” كمثال، وهو مشروع بناء ضخم بقيادة حزب الحاكم الوطني في ذلك الوقت جيورج إيفانوف والذي تمّ إطلاقه عام

2010.

يهدف المشروع الذي تبلغ قيمته 80 مليون يورو، إلى تجديد العاصمة لجذب أكبر عدد من السوّاح، وقد يغطّي 40 نصبًا تذكاريًا جديدًا ومنحوتات وواجهات ومبانٍ عامة.

وقد أزعج المشروع الكثير بسبب حصول تبذير وإسراف بحوالي 670 مليون يورو من الإنفاق العام في وقت لاحق، معظمهم من مجتمعات الأقلّيات التي لا تتشابه مع تصوراتها المسيحية الأرثوذكسية واليونانية.

ناهيك عن استياء الجميع لبعض الأسباب، تمّ تشييد تمثال الإسكندر الأكبر في الميدان الرئيسي مع التحذير بإمكانية عدم تسميته باسم الإسكندر الكبير وذلك بفضل المخاوف التي وجّهتها اليونان.

إن بناء التمثال كطريقة لتشكيل الهوية الوطنية لا يستحق الإدانة بحدّ ذاتها، خاصة بالنسبة لدولة قومية ناشئة.

في النهاية، المسألة أبعد من كونها لعنة لأعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لكن الأمر لا يتعلق بالصور فقط، بل بالمال أيضًا.

تم استغلال ميزانيات الحكومة المركزية ولكن تم استكمالها بميزانيات البلديات المحلية، مع مبلغ يفوق 14 مليون يورو من بلدية كاير.

تستضيف كاير أغلبية المسلمين الألبان (57٪) و24٪ فقط من سكانها يُعتبرون من العرقية المقدونية (مقارنة مع أكثر من 66% من السكان من العرقية المقدونية و20% من العرقية الألبانية في سكوبييه).

تماثيل أم صرف صحي؟

أثناء إعادة توجيه عملة دافعي الضرائب من كاير إلى سكوبيه عام 2014، إفتقر بعض مواطنيها إلى البنية التحتية الأساسية مثل أنظمة الصرف الصحي.

وأدى ذلك إلى إعادة بروز الظاهرة العرقية في قضايا الفقر والتمييز والحرمان، ولكن تمّ دمجها مع مفهوم صورة التماثيل لجعل القومية مشروع مجموعة واحدة، بدلًا من جعله جماعيًا.

ساهمت هذه المظالم لفترة طويلة بجعل كاير مركزًا لتوترات عرقية متصاعدة. مما جعل منها في الآونة الأخيرة عاملًا من العوامل التي تولد في هذه المساحة الصغيرة نسبة عالية تعادل 150 من ” مقاتلين إرهابيين أجانب ” يسافرون إللى سوريا والعراق.

كانت كاير موطنًا لجامعي ” جايا باشا ” و “توتونسوز” الشهيرين، وفيهما أثر الواعظ المتطرّف “ريكزه مميشي” على عدد كبير من المقاتلين من مقدونيا وكوسوفو وألبانيا.

من الواجب منع هذه المظالم المحلية التي من شأنها إثقال وتوسيع قاعدة التوظيف، في الوقت الذي تستعد البلاد لعودتها وتحاول التقليل من خطر تزايد التطرف.

وعلى الرغم من انتشارها في الصحافة والمشاركة المستندة على الحكومات الغربية، لا تُعدّ هذه القضايا فريدة من نوعها للمسلمين أو الألبان، أو أي مجتمع آخر.

وتشهد بلديات أخرى ظهورًا جديدًا ومتزايدًا ومتشابكًا ومثيرًا للقلق وغير مدروس للمقاتلين الأجانب اليمينيين المتطرفين والقوميين الإثنيين، الذين يسافرون إلى أوكرانيا وليس إلى بلاد الشام.

في حين يبقى أولئك الذين يحملون الأسلحة للانتقال إلى بلادهم (أو أي مكان آخر) مهمّشين، المغزى هو أنهم يستغلون ويفاقمون الإستقطاب الواسع في جميع أنحاء المجتمع.

ترتبط الروايات التي تحشد هذه الاتجاهات ارتباطًا وثيقًا بالقضايا والمظالم المحلية التي تختلف من حي إلى آخر، ومع ذلك تزيد من حدّة التوترات.

وقد لا يكون هذا الأمر بجديد، ولكن نظرًا لأن الدولة تدرس السعر الذي ستدفعه لتسوية نزاع واحد مع أملها بالاقتراب أكثر فأكثر من الاندماج الغربي، قد تشكل هذه القضايا تحديًا أكبر أمام بناء الدولة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.